languageFrançais

العود في القضايا الإرهابية..هل يُعتبر المُسرّحون انتحاريين مؤجّلين؟

قبيل احتفاء تونس بملحمة تكسير شوكة تنظيم "داعش" الإرهابي على أسوار بن قردان، هزّ تفجير إرهابي منطقة البحيرة وأدّى إلى استشهاد ضابط أمني. عملية إرهابية تهدف إلى المس من رمزية تاريخ بداية نهاية "داعش" الإرهابي في المنطقة، من تنفيذ ارهابيين اثنين من المحكومين في قضايا إرهابية سابقا. ما يطرح بشدة إشكالية العود لدى فئة اعتنقت التكفير منهجا، والعنف أداة لتحقيق أهدافها الواهمة.
الإحصيات التي صرّح  بها القطب القضائي لمكافحة الإرهاب منتصف سنة 2018، رغم ندرتها، تؤكد أن عدد المساجين في قضايا إرهابية داخل السجون التونسية يفوق ال 1500 سجينا تترواح أعمارهم بين 25 و 29 سنة، 90% منهم من أنصاف المتعلمين. مقابل تواجد أكثر من 2900 إرهابي في بؤر التوتر، وفق ما نشرته وكالة تونس إفريقيا للأنباء. 

هذا بالإضافة إلى مئات العناصر التكفيرية التي يتم إلقاء القبض عليها سنويا من قبل مصالح وزارة الداخلية والتي تعرض على وحدات مختصة للبحث في القضايا الإرهابية بإشراف مباشر من القطب القضائي لمكافحة الإرهاب. 
وتختلف التهم الموجهة اليهم بين المشاركة الفعلية في عمل إرهابي مسلّح أو التواصل مع تنظيمات إرهابية  أوالدعم اللوجيستي أو الثناء ومدح تنظيمات أو عمليات إرهابية، في الواقع أو في فضاءات التواصل الإجتماعي. وتترواح الأحكام في هذه التهم من عدة أشهر من السجن النافذ إلى حدود الإعدام.

عديد المتهمين بشبهات إرهابية من المسرحين من السجون عاودوا الانخراط في تنظيمات إرهابية، بل تطور جرمهم الإرهابي وانتقل عدد منهم من مرحلة التكفير إلى التفجير، وهو ما حصل في عملية البحيرة يوم الجمعة 6  مارس 2020.
لا يعتبر منفذو تفجير البحيرة، سليم الزنادي وخبيب لعقة حالة منفردة  من بين خريجي السجون الذين شاركوا في عمليات إرهابية بعد انقضاء فترة سجنهم. بل تتكون النواة الأولى لكتيبة عقبة بن نافع الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي والتي تأسست سنة 2012 بجبال القصرين،  من الخارجين من السجن بعد الثورة بسبب علاقتهم بأحداث سليمان نهاية سنة 2006 أساسا والتي تعتبر واحدة من  العمليات الإرهابية التي وقعت قبل الثورة أين حاولت ما يسمى بكتيبة أسد بن الفرات، التابعة لما كان يسمى بالجماعة السلفية للدعوة والقتال القيام، بمخططات إرهابية تمس من الأمن الداخلي البلاد وأدت العملية إلى استشهاد عوني أمن و إلى مصرع 12 إرهابيا.

ومن بين المتهمين في حادثة سليمان الإرهابي حلمي الرطيبي الذي كان مكلفا بتجميع السلاح في القصرين بعد تهريبها من ليبيا والذي لقي مصرعه في 2012 مثله مثل الارهابي مراد غرسلي الذي كان أحد قيادات كتيبة عقبة بن نافع والارهابي نبيل السعداوي المسؤول عن استشهاد عسكريين اثنين في شهر ماي من سنة 2011 .

أسماء كثيرة أخرى عاودت الانخراط في الأعمال الإرهابية بعد حصولها على العفو التشريعي العام سنة 2011، رغم ثبوت إدانتها في جرائم إرهابية ارتكبتها  داخل أو خارج حدود الوطن، مثل سيف الدين بن حسين "ابو عياض" ووائل العمامي وبدر الدين القصوري وغيرهم، ولمعظمهم علاقة بعملية سليمان.

 إرهابيون آخرون التحقوا بالجبال التونسية في السنوات القليلة الماضية بعد مرورهم بعقوبة سجنية من أجل تهم إرهابية وبعد خضوعهم إلى المراقبة الإدارية مثل الإرهابي رضا العمري والإرهابي حافظ رحيمي.

يفسر القاضي وعضو المكتب التنفيذي لنقابة القضاة التونسي، محمد حسين قريرة ظاهرة العود في الجريمة الإرهابية على أنها دليل على تمسك الجاني بالقيام بجرمه وإصراره على ذلك نتيجة عدم حصول الردع من العقاب الأول ثم الإصلاح. وأشار قريرة في تصريحه لموزاييك إلى أن عدم وضوح الرؤية في السياسة السجنية لهذا النوع من الجرائم يساهم بشكل كبير في عدم ردع وإصلاح الجاني.

وشدد عضو المكتب التنفيذي لنقابة القضاة التونسيين على أن غياب متابعة المحكومين في قضايا إرهابية بعد انتهاء فترة العقاب من شأنه المساهمة في ظاهرة العود. واعتبر أن احتكاك الإرهابيين داخل السجون فيما بينهم يساهم في انتشار الفكر الإرهابي وبالتالي الجريمة الارهابية.
وأوضح في تصريحه لموزاييك أن إصدار أحكام مخففة على من ثبت إدانتهم في الإرهاب وعدم تطبيق عقوبة الإعدام يخلق لدى الجاني الإحساس بالافلات من العقاب.ودعا إلى تحديد سياسة جنائية واضحة للتعامل مع القضايا الإرهابية من أجل ضمان حق المجتمع في السلم مع مراعاة حقوق الإنسان.
 من ناحية أخرى انتقد مصدر أمني، طلب عدم الكشف عن هويته، الترتيبات التي تقتضي المراقبة الإدارية عقب قضاء عقوبة سجنيّة في قضية إرهابية واعتبرها عديمة الجدوى. وأوضح أن عناصر إرهابية التحقت بالحبال في القصرين بعد خضوعها للمراقبة الإدارية التي تلت التتبع القضائي. كما طالب بإطار تشريعي ولوجيستي جديد لفترة ما بعد العقوبة السجنية في قضايا الإرهاب ومنها الأسورة الالكترونية لتعويض المراقبة الإدارية.

مصادر أمنية عاملة في مجال مكافحة الإرهاب أكدت على أهمية العمل الاجتماعي والثقافي والديني في مجال مكافحة الإرهاب ككل، وطالبت باستراتيجيات شاملة تخص بالأساس الفئة التي سجنت في قضايا إرهابية داخل السجون والفئة المستهدفة في عمليات الاستقطاب التي تقوم بها التيارات المتطرفة خارجها لكي تصبح مكافحة التطرف العنيف فعلا مجتمعيا يوميا بمشاركة هياكل متعددة.

بعد تتالي هزائم التنظيمات الإرهابية في الجبال الغربية التونسية والقضاء على جل قياداتها الميدانية، تلجأ الخلايا النائمة إلى تنفيذ مخططات إرهابية من فترة إلى أخرى داخل المدن التونسية عن طريق تكفيريين سجنوا من أجل جرائم إرهابية، ما يجعل طرح حلول جذرية لمسألة العود في القضايا الارهابية التي تتكرر منذ عقود، ضرورة عاجلة وحتمية لكي لا نتحدث عن مسرحين من السجون برتبة انتحاريين مع تأجيل التنفيذ..

*برهان اليحياوي